الشيخ أحمد فريد المزيدي
312
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
باب في صفة الحقيقة « 1 » قال الجنيد : حقيقة العبد ترك الاشتغال ، والاشتغال بالشغل الذي هو أصل الفراغة . قال الجنيد : قوله عز وجلّ ( عباد ) حقيقة ، وقوله ( عبادي ) حقيقة الحقيقة . * * * باب في صفة الهمة « 2 » والإرادة « 3 »
--> ( 1 ) الحقيقة : سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه . ومن آثارها تقيدك وتلبسك بها ، فالسلب إنما يتوجه إلى آثار الأوصاف ، لا إلى الأوصاف ، فإن وجودك عين وجوده ، وأوصافك عين أوصافه ، وهو أحدية جمع كثرتها ، فإنه الفاعل بك فيك منك لا أنت . وقد أيد معنى كونه أحدية جمع الكثرة ، وكونه فاعلا لها . . ومحصل المعنى : الحقيقة اسم أطلق على الحق عند تحقيق كونه عين وجود العبد وأوصافه ، وقد تبين سقوط إضافتها عنه ، فإنه تحققه بالوجود وأوصافه باق على عدميته ، ومن ذلك قوله : « وإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا » . فليس للعبد في وجود الحق إلا الحكم ، لا العين . فافهم . ( 2 ) الهمة : تطلق بإزاء تجريد القلب بالمنى ، ممكنا كان ذلك أو محالا ، وعلى صاحب هذه الهمة أن ينظر فيما يتمناه ، ويحرره ، فإن أعطاه الرجوع عن طلبه بكونه محالا رجع ، وإن أعطاه الغريمة غرم . وتطلق بإزاء أول صدق المريد : وتسمى هذه الهمة ، همة الإرادة ، وهي همة جمعية وتنحصر النفس عليها فلا يقاومها شيء حتى إنه لو تصور شيئا ، وأراد وقوعه ، لوقع في الحين ، والنفس إذا انحصرت على الجمعية ، وأحيطت فيها بالقوة والملكة انتقلت لها أجرام العالم والأرواح ولا قصاص عليها بشيء . وليس من شروط هذه الجمعية الإيمان ، ولذلك ظهرت آثارها على بعض كفار الهنود ، ولهم في الكون الأسفل تصرفات عجيبة ، ويزعمون أنهم أهل التروحن والتقديس . وتطلق بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام . وهذه الهمة إنما تسمى بهمة الحقيقة ، وهي همة الكمل من أهل اللّه تعالى ، حيث جمعوا الهمم المتعلقة بأنحاء الكمال على الحق ، واطلعوا بصفاء الإلهام توحيده الذاتي وتوحيده الجمعي الأسمائي من مشاهدة التفصيل في جمعه كما هو . ( 3 ) الإرادة : وهي لوعة في القلب . يريد قدس سره : قلب من تنبه للنهوض بقدم حاله إلى وجهته العليا في الحق ، وهي وجهة موليها ، وهي مختاره الأصلي ، ومستنده الغائي . وقد زاد قدس سره في معناها قيدا آخر ، وهو قوله في الفتوحات المكية : « ويحول بينه وبين ما كان عليه مما يحجبه عن مقصوده » . والإرادة في الحقيقة لا تتعلق دائما بالعدم ، فإنها صفة تخصص أمرا إما بحصوله ، أو وجوده ، كما قال تعالى وتقدس : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . وشيئية المراد هنا شيئية الثبوت لا شيئية الوجود ، فإن قلت : قد تتعلق الإرادة بموجود لمحوه ، وإعدامه . قلت : هذه مشيئة